محمد عبد الكريم عتوم
56
الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة
جميع مؤسسات المجتمع بما فيها الأسرة ، باعتبارها تعني أمر الاجتماع الإنساني الخاص والعام بوساطة الائتمار المشترك والجماعي والذي هو سبيل الإنسان للمشاركة في تغيير المجتمع . وإذا كان التفرد في الرأي والسلطة في مجال من مجالات السياسة والاجتماع يؤدي دائما إلى الاستبداد ، والاستفراد والطغيان كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى « 1 » . وحتى لا يقع ذلك كانت الشورى بمثابة الواقي من حصول الطغيان باعتبارها تكفل للإنسان مطلق الإنسان - المشاركة في تدبير شؤون الاجتماع البشري . ويطرح بعض المفكرين تساؤلا حول الشورى فيما إذا كانت ملزمة أو معلّمة ، وقد اختلف الفقهاء والمفكرون في ذلك ، ففيما ذهب البعض إلى اعتبارها ملزمة للخليفة ، لا بل واعتبرها البعض فريضة إلهية ، نرى بعضاً آخر يعتبرها معلّمة ومرشداً يستنير بها الخليفة ، وله أن يأخذ بها ، وله أن يتجاوزها أيضا استناداً إلى قوله تعالى وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ « 2 » . ويميل معظم المفكرين السنة المعاصرين لاعتبارها واجبةً وملزمةً للحاكم ، وفريضة إلهية وليست مجرد حق من حقوق الإنسان المسلم ، ولا يجوز للإنسان التنازل عنها ، حتى لو أراد ذلك . والشورى تكون بين الجماعة لترتيب الأمور المشتركة وبخاصة تلك المتعلقة بالعلاقة بين الدولة وبين الجمهور " الأمة " ، لذلك رأى أحد المفكرين المسلمين المعاصرين " أن القرآن يجعل الشورى والمشاركة في صنع القرار فريضة إلهية حتى ولو كانت الدولة يقودها رسول الله ( ص ) " فالعزم " في قوله تعالى فإذا عزمت فتوكل على الله هو ثمرة للشورى أي المرحلة التالية لاشتراك الناس في إنضاج الرأي وصناعة القرار ، وبالتالي فالشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام . أما أهلها فهم الأمة الإسلامية جميعا " ، وقد بلغ الإسلام في تزكية الشورى إلى الحد الذي جعل فيها العصمة للأمة كما ورد في حديث الرسول ( ص ) : " إن أمتي لا تجتمع على ضلالة " « 3 » .
--> ( 1 ) - العلق ، آية 6 - 7 ( 2 ) - آل عمران ، آية 159 ( 3 ) - عمارة ، ندوة ، 2003 .